لحظة تمر في حياة الإنسان تقلب موازينه رأساً على عقب ، من حياة مريحة مستقرة محمية لا يتصور أحد أنها ستتغير إلى أوقات عصيبة تنقله من الأمان الخالص إلى الذعر التام ، فيظهر الوجه المظلم للحياة مبيناً مدى هشاشتها ومدى ضعف الإنسان فيها مهما كان يعتقد بأنه قوي ، في هذه اللحظة تهتز الموازين ويراجع الشخص كل ما مر عليه في حياته من مواقف وسلوكيات تعلمها ، هل هي صحيحة أم أنه عاش كذبة كبيرة تكاد تكون مسرحية تراجيدية من أعمال مارلو أو شيكسبير الشهيرة التي كنت أعتقد بأنها مبالغ بها عندما درستها على مقاعد الجامعة ، ولكن التراجيديا موجودة والصراع الأزلي بين الخير والشر موجود مادام الإنسان موجوداً.
كنت أعيش طفولة جميلة في وسط عائلة جميلة ، لم أسمع أبي يصرخ أو يسب أو يرفع صوته ولو قليلاً أبداً لم أعلم بوجود الكلمات النابية الا في عمر متقدم ، ليتك يا ابي كنت قاسياً لأتدرب على قسوة الحياة ، يا ليتك حطمت طموحاتي كما يحطم الناس أحلام أبنائهم ويكسرون شخصياتهم بالسب والقسوة النفسية والإهمال ، ياليتك كنت عنيفاً لكي لا أبكي عندما أرى صور الأطفال المعذبين والمقتولين على يد أب قاسي أو زوجة أب او أم أو حتى المعلم الذي يوكل إليه تربية جيل صالح ، مآسي تنشرها الصحف وكأننا نعيش في حروب مدمرة في بيوتنا يا ليتك جعلت من بيتك ساحة حرب لنفهم ما يحدث في هذا الزمن يا أبي.
يا ليتك يا أبي لم تعلمني في مدرسة مختلطة حيث لعبنا ببراءة جنباً إلى جنب مع الأولاد لأن الإختلاط حرام حتى في سن السابعة أو الثامنة ولكن تزويج الطفلة في ذلك العمر حلال ، واغتصاب طفولتها من قبل كهل لا يعتبر اعتداءً جنسياً بل زواجاً شرعياً ، ولا يجوز تحريم الحلال ولا يجوز الكلام عنه لأنه يثير الفتن ويشكك في الدين ، كيف يتعامل هذا الكهل مع هذه الطفلة هل يلعب معها ننتندو وباربي ثم يتوجه إلى غرفة النوم ؟ أي منظر مقزز ومثير للإشمئزاز هذا وأي فكر غير سوي يقبل هذه الجريمة الشنيعة ضد أضعف فئة من البشر ويدافع عنها ويتجاهل صرخات الطفولة ، وهذه الجريمة النكراء تعتبر زواج متكافئ أما وزواج شخص راشد غير حسيب من امرأة راشدة حسيبة غير متكافئ ، هذا زمن منتكس ومريض ووحشي فنحن في جاهلية الألفية الثالثة من عمر الإنسان.
يا ليتك يا أبي لم تشجعني على الرسم والعزف على الآلات الموسيقية لأن الموسيقى في هذا الزمن حرام وتشغل القلب والمستمع لها زنديق ، فهي ليست كالسابق عندما تجتمع النساء لطحن الحب كانوا يغنون ويدقون بتوازن موسيقي جميل لتهون عليهم مهمتهم ، أوعندما يصنعون السفن على السيف يطرقون المطارق بايقاع جميل لكي لا يملوا من العمل ، أوعندما يزفون السفن لأول مرة للبحر وكأنها عروس فنسمع فن الفجري ، أوانغام النهمات الحزينة لغواصي الؤلؤ للتعبير عن الخوف من البحر والشوق للأهل ، اصبح الآن الناس يزجون في السجون لأنهم يقولون الموسيقى غذاء الروح ، فهي شيئ فطري نسمعه ونحن في بطون امهاتنا ، فجسم الإنسان أوركسترا تفوق هايدن وبيتهوفن تستمد ايقاعاتها وأنغامها من نبضات القلب ومن تدفق الدم في العروق ومن تمايل الشعيرات الهوائية في الرئة ، فكيف تكون الموسيقى حرام ونحن مكونين منها ؟يا ليتك يا أبي لم تقل لي أن البنت والولد سواسية لا فرق بينهما في تحمل المسؤلية ففي هذا الزمن نشهد وئد البنات الجديد ، فرجعنا أدراجنا للجاهلية بمنع النساء من كل شيئ حتى التنفس بحرية فلا اوكسجين إلا من خلف حجاب ، ولا عمل الا تفريخ الأطفال ، فمجرد التفكير في مستقبل عملي ووجود طموحات تكون أجرمت فليس لها حق الحلم أو التفكير، فهي عبدة لوالدها ثم لزوجها ثم لولدها او أي رجل آخر فهي ناقصة عقل ودين حسب الموروث الجاهلي والتفسير القاصر لكلام رسول الله حاشاه من فهمهم القاصر ، وإذا عملت المرأة فراتبها لأبوها أو زوجها لأنها لاتدبر نفسها والرجال قوامون على النساء وأنواع من تطويع وتسخير النصوص للمصلحة الشخصية وإن انتقدت أصحاب هذه الإختيارات فأنت تسب الله والرسول ، فعجبي ممن ينصب نفسه في الدنيا المندوب السامي والناطق الرسمي عن الله والرسول .
يا ليتك يا أبي لم ترسلني إلى أقاصي الدنيا لأتعلم وأفيد الناس بعلمي لأن المرأة المتعلمة نقمة على الرجل ، وهي عورة إذا خرجت من البيت يستشرفها الشيطان وتغوي الرجال ، أما الرجل فهو المسكين الذي أخرجته هذه المخلوقة المصنوعة من ضلع أعوج من الجنة ، معادلة صعبة يُسقط بها الرجل على المرأة عيوبها وعيوبه فهل يعقل بأن هذه المجرمة التي يستشرفها الشيطان تؤثر على الرجل القوي ذو القوامة بهذا الشكل؟ من المسكين ومن الشيطان ؟ لا نعلم فإذا استفسرنا فنحن العلمانيين اللبراليين الماركسيين أو أي تسمية تلزق بك وتبيح للناس سبك واحتقارك لمجرد الإستفسار أو الإتيان بفكرة جديدة ، أو لعدم مطابقتك لقالب التفكير المفروض عليك ممن يدير دفة عقول الناس في المجتمع ، فعليك أن تفكر كما يريدونك أن تفكر وإلا تتهم بمحاولة غسل عقول الشباب والشابات ، وكأن عقول هذا الجيل مصنوع من مادة هشة أي فكرة تمر من خلالها تنهشها كالفايروس الذي يخترق الهارد ديسك الداخلي ويحرق المذر بورد إلى أبد الآبدين.
ياليتك يا أبي ما قلت لي أن أهم شي هو العلم والشهادة لأن في هذا الزمن يهان المتفوق وتشترى الشهادة ويعين القريب ويبعد الكفوء ، فنحن في عصر فيتامين شين (الشفاعة) هذا الفيتامين الجديد الذي نزع عنه صبغة الواو ولبس عباءة جديدة تقتل طموح كل متفوق واللبيب من الإشارة يفهم ، ونحن في عصر البطالة التي تقطع نسيج المجتمع المهترئ بالديون والغلاء مع أن ملايين من مختلف الجنسيات تتنعم بخيرات البلد ، وزمننا يعين فيه 15 قاضي و محامي لأنهم من شعب الله المختار مع أن البلد بحاجة إلى آلاف والمؤهلين من العاطلين عشرات الآلاف ، ونحن في زمن أقتل أحلام الشباب ثم اجلدهم ثلاثة آلاف جلدة إذا انحرفوا لأنهم لا يفهمون إلا لغة العنف ، و نحن في زمن ثرمومتر الجيب فكلما ما زاد مافي الجيب زاد إحترام صاحبه وليس لعلمه وشهادته ، وياليتك يا ابي لم تقل لي أن الجد والإجتهاد والإعتماد على النفس هما السبيل لتحقيق الذات فنحن في زمن الرقمية فهناك فرق كبير بين رقم 01 و 07 بالرغم من القيمة الحسابية للسبعة أكبر ولكن الواحد في عالم البلوت أكبر واللبيب من الإشارة يفهم.
يا ليتك تعلم يا أبي كم من كبير وكم من صغير بعد رحيلك بسنين طويلة يترحم عليك إذا علم بأني ابنتك ويقول لي ساعدني في كذا وكذا ولم أكن أعلم بذلك في حياتك ، ويا ليتك يا أبي لم تقل لي بأن الناس للناس والتواضع واحترام البشر بكل طبقاتهم ودياناتهم واجب ، ويا ليتك أهنت كل من جاءك ساعياً لحاجة أمامي لكي أستعد نفسياً عندما أدخل على أحد الأقرباء من المسؤلين الكبار وأنا في بلدهم غريبة ووحيدة وبحاجة ماسة للمساندة وليس المساعدة ، لأفاجئ بجلوسه خلف مكتب وانا واقفة أمامه وكأني أشحذ منه وهو ينظر لي بوجه عابس ومستغرب لإلقاء السلام والسؤال عن صحته وكأنه يقول لي أختصري ، فأنت يا أبي من علمتني تحية الناس ، أختنقت يا أبي وعرفت معنى كلمة الذل الذي لم أحلم بأن أحس بها في حياتي أبداً ، وقفت للحظات وكأنها دهراً كاملاً مذهولة وكأني أشاهد هذا الموقف من خارج نفسي وإذا بي أنظر لإمرأة رفيعة نفس كسرها خطف أعز الناس لها فاختفى ولا تعرف له طريق ، في بلد اصيبت فيه بشلل النساء حيث لا تستطيع المرأة التحرك أو القيام بأي شيئ الا بوجود رجل ، وما اكبر هذه الكلمة فهي لا تطلق الا على من مثلك يا أبي وعلى عدد قليل من الناس في هذا الزمن ، خطف العزيز ظلماً لفكره وذكائه وإبداعه وشجاعته ، فحس زمرة من شرطة الفكر أنه خطر عليهم وعلى قطيعهم فيجب اسكاته لأنهم لم يستطيعوا أن يصنعوا منه صورة بالكربون منهم ، فيجب أن يعامل كالبضاعة الفاسدة التي بها عيب ويجب أن تنزع من خط الإنتاج.
فرجعت إلى نفسي من حالة العوم خارج النفس وانطلقت بأقصى سرعة من مكتب هذا الكبير لأتنفس بعد أن حبس الذل أنفاسي ، وتذكرت كلامك يا أبي عندما قلت لي يا ابنتي لا تطلبين من أحد أي شيئ لأنه إذا أعطاك راح نصف وجهك أما إذا رفض فيذهب وجهك كله ، ولكن إعلم يا أبي أنه هزني فراق العزيز وشل تفكيري وجعل نصب عيني استعادته بأي طريقة بحيث تجاهلت دررك العظيمة ، لذلك فأنا أقف الآن أمام مرآة نفسي منسلخة الوجه كسيرة النفس أنتظر رجوع العزيز بفارغ الصبر ، أما أنت يا أبي فأحبك حباً عظيماً لأنك حميتني من مصائب الدنيا ولم أعرف الجانب المظلم للحياة الا بعدك فألف رحمة عليك وستبقى في فكري وقلبي للأبد.